ابن كثير
17
البداية والنهاية
المنام كأن أباها قد مات فانتبهت مذعورة فقالت لأمها أين أبي ؟ قالت : هو في مصلاه ، فنادته فلم يجبها ، فجاءته فحركته فسقط لجنبه فإذا هو ميت رحمه الله ، قال أبو عبيدة ومحمد بن سعد وخليفة وغير واحد : كانت وفاته سنة خمس وسبعين ، وقال غيرهم : كانت وفاته في أول إمرة معاوية فالله أعلم . وقد توفي في هذه السنة . الأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود ، وهو الأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين ، ومن أعيان أصحاب ابن مسعود ، ومن كبار أهل الكوفة ، وكان يصوم الدهر ، وقد ذهبت عينه من كثرة الصوم ، وقد حج البيت ثمانين حجة وعمرة . وكان يهل من الكوفة ، توفي في هذه السنة ، وكان يصوم حتى يخضر ويصفر ، فلما احتضر بكى فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : مالي لا أجزع ؟ ومن أحق بذلك مني ؟ والله لو أنبئت بالمغفرة من الله لأهابن الحياء منه مما قد صنعت ، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو فلا يزال مستحييا منه . حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان كان من سبي عين النمر اشتراه عثمان ، وهو الذي كان يأذن الناس على عثمان توفي في هذه السنة والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ست وسبعين كان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرح أمير الصفرية ، وشبيب بن يزيد أحد شجعان الخوارج ، فقام فيهم صالح بن مسرح فأمرهم بتقوى الله وحثهم على الجهاد ، وأن لا يقاتلوا أحدا حتى يدعوه إلى الدخول معهم ، ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان نائب الجزيرة فأخذوها فنفروا بها ، وأقاموا بأرض دارا ثلاثة عشر ليلة ، وتحصن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار ، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمائة فارس عليهم عدي بن عدي بن عميرة ، ثم زاده خمسمائة أخرى فسار في ألف من حران إليهم ، وكأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ، لما يعلموا من جلد الخوارج وقوتهم وشدة بأسهم ، فلما التقوا مع الخوارج هزمتهم الخوارج هزيمة شنيعة بالغة ، واحتووا على ما في معسكرهم ، ورجع فلهم إلى محمد بن مروان ، فغضب وبعث إليهم ألفا وخمسمائة مع الحارث بن جعونة ، وألفا وخمسمائة مع خالد بن الحر ( 1 ) ، وقال لهما : أيكما سبق إليهم فهو الأمير على الناس ، فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل ، والخوارج في نحو من مائة نفس وعشرة أنفس ، فلما انتهوا إلى آمد توجه صالح في شطر الناس إلى خالد بن الحر ( 1 ) ،
--> ( 1 ) في الطبري 7 / 221 وابن الأثير 4 / 395 : خالد بن جزء السلمي .